خليل الصفدي

313

أعيان العصر وأعوان النصر

من ذلك ذهبا عظيما يتجاوز الحد والوصف ، وانتعل من مدينة دهلي كرسي ملكه إلى وسط هذه البلاد التي فتحها ؛ ليكون قريبا من الأطراف ، وأنه أجري يوما عنده ذكر مكة والمدينة ، فقال : أريد أن يتوجّه من عندنا ركب يحج في كل سنة ، فقيل له : إن ذلك في مملكة الملك الناصر محمّد بن قلاوون ، فقال : نجهز إليه هدية ، ونطلب منه الإذن في ذلك ، وأنه جهّز إليه مركبا ، قد ملئ من التفاصيل الهندية الفائقة خيار ما يوجد ، وعشرة بزاة بيض ، وخدم وجواري ، وأربعة عشر حقا ، قد ملئت من فصوص الماس ، وكنت أنا في جملة المسفرين ، وأننا لما وصلنا إلى اليمن أحضر صاحب اليمن المماليك الذين في خدمة الرسول ، وقال لهم : أي شيء يعطيكم صاحب مصر اقتلوا أستاذكم ، وأنا أجعلكم أمراء عندي ، فلما قتلوه شنق الجميع ، وأخذ المركب بما فيه ، وأريد أن تحضرني عند السلطان ، فأدخله الأمير عزّ الدين الحظيري إلى السلطان ، وحكى له الواقعة . وكتب القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل اللّه في ذلك الوقت كتابا إلى صاحب اليمن جاء فيه عند ذكر ذلك : وبعد أن كان في عداد الملوك أصبح ، وهو من قطاع الطريق ، ومن الأدلّة على سعة ملكه ، وكثرة الذهب عنده ، أنه أقل ما يوجد الدينار عنده مثقالين وثلاثة كثيرا ، ويوجد الدينار خمسين مثقالا ، وأنا رأيت في الرحبة دينارا زنته تسعون مثقالا . قال القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه : وكان طغلق شاه رجلا تركيا من مماليك ملوك الهند ، ويقال : إنه الذي عمل أبيه فقتله ، قالوا : صورة قتله ، أنه تركه في خركاه ، وقد بدت به علّة ، ثم إنه هيج عليه الفيلة ؛ حتى أتى فيل منها على الخركاه وحطّمها ، وألقاها عليه ، وتمادوا في إخراجه ، حتى أخرجوه ميّتا لا روح فيه . قال : وكان محمّد هذا عنينا ؛ لكي كوي على صلبه أيام الحداثة لعلة حصلت له ، وهو متمذهب بمذهب أبي حنيفة ، يحفظ في المذهب كتاب الهداية ، وقد شدا طرفا جيدا من الحكمة ، ويحضر مجلسه الفقهاء للمناظرة بين يديه ، ويجيز الجوائز السنية ، وملكه ملك متسع جدا ، وعسكره كثير . قال : ذكر الافتخار عبد اللّه دفتر خوان الواصل في الرسلية في أيام الملك الناصر محمّد بن قلاوون أن عسكره مبلغ تسعمائة ألف فارس قال : وفي ذلك نظر ، إنما الشائع الذائع ، أنه يقارب الست مائة ألف يجري على كلهم ديوانه ، منهم الفارس والراجل والراجل أكثر ؛ لقلّة الخيل عندهم ؛ لأن بلادهم لا تنتج الخيل ، وتفسد ما يجلب إليها من الخيل ، وذكر أن عنده ألفا وسبعمائة فيل ، وأن عنده عددا كثيرا من الأطباء والنّدماء ، والشعراء بالعربية وبالفارسية وبالهندية ، وعددا كثيرا من المغاني رجال وجواري ، قال :